بين انشغال العالم بحصار مضيق هرمز وجدل الحمقى: قراءة في أزمة الهوية والتاريخ
في زمن تتشابك فيه الأزمات الجيوسياسية وتتقاطع فيه المصالح الدولية على أوتار السياسة والاقتصاد، يبرز مضيق هرمز باعتباره شريانًا نابضًا للحياة الاقتصادية العالمية. فمن خلاله تعبر نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، مما يجعله نقطة ارتكاز لأي صراع إقليمي أو دولي. في خضم هذا المشهد المعقد، يقدم النص الذي بين أيدينا مشهدًا كاريكاتوريًا معبرًا عن حالة التشرذم الفكري والانشطار عن الواقع الذي يعاني منه بعض الفاعلين في الساحة العربية.
رئيس الولايات المتحدة دونالد ترمب، الذي يتخبط في محاولة “إعادة فتح مضيق هرمز الذي كان مفتوحًا قبل الحرب”. هذا يشير إلى حالة من العجز الاستراتيجي الذي تعاني منه الإدارة الأمريكية، رغم قوتها العسكرية والاقتصادية، تجاه ملف حيوي مثل المضيق. فبعد أي حرب أو توتر، يصبح المشهد الدولي منشغلًا بآثار الإغلاق الاقتصادية: ارتفاع أسعار النفط، تعطل سلاسل الإمداد، واهتزاز أسواق الطاقة العالمية. بينما يعاني العالم من تبعات سياسات “الفوضى الخلاقة” أو العقوبات الأحادية، يأتي الانشغال العربي ليكون خارج نطاق هذه المعادلة الصعبة، ليتجه نحو متاهات تاريخية هو في أمس الحاجة لتجاوزها.
جدل التسمية: حين يصبح الشكل جوهرًا
الأمر ينتقل بسرعة إلى ما هو أكثر إثارة للقهر والسخرية: انشغال “حمقى العرب” بمقترح تسمية المضيق باسم “مضيق خالد بن الوليد”. هذا الطرح، يأتي مدعومًا بحجة لغوية وتاريخية زائفة، وهي أن اسم “هرمز” مأخوذ من قائد فارسي مجوسي، مما يستدعي تغييره ليتوافق مع هوية إسلامية عربية خالصة.
هنا يكمن جوهر النقد اللاذع الذي يقدمه النص. فالانشغال بمثل هذه القضايا في وقت تمر فيه المنطقة العربية بأزمات وجودية (حروب أهلية، انهيار اقتصادي، تدخلات خارجية) لا يعكس فقط حالة من التيه السياسي، بل يكشف عن أزمة عميقة في المنهجية الفكرية. فبدلاً من مناقشة كيفية استعادة السيادة الوطنية على المضيق، أو كيفية تطوير أساطيل بحرية عربية قادرة على تأمين الملاحة، أو حتى كيفية توحيد الموقف العربي للضغط لإنهاء التصعيد، يتجه النقاش إلى “تغيير الاسم”.
تفكيك الأسطورة التاريخية: مملكة هرمز الإسلامية
الجهل التاريخي الذي يضرب عرض الحائط بالحقائق الراسخة، يقدم رواية تاريخية مضادة. الحقيقة، أن اسم “هرمز” لا يعود إلى قائد فارسي، بل إلى “مملكة هرمز الإسلامية العربية” التي حكمت جانبي المضيق لأربعة قرون. هذه المملكة كانت إحدى الإمارات العربية والإسلامية المزدهرة التي سيطرت على طرق التجارة البحرية بين الخليج والمحيط الهندي والمشرق.
بتسليط الضوء على هذه الحقيقة، تظهر فضيحة الطبقتين الأساسيتين من الجهل اللتين يعاني منهما أولئك “الحمقى”:
-
الجهل بالدين: إذ أن التبرير المطروح للتغيير هو محو اسم “قائد فارسي مجوسي”، وكأن مجرد وجود اسم يحمل خلفية فارسية أو غير إسلامية في منطقة كان الإسلام فيها هو الحضارة السائدة لقرون هو عيب يجب تصحيحه. هذا يتناقض مع روح التسامح والانفتاح الحضاري التي ميزت الحضارة الإسلامية، والتي لم تقم على طمس هويات الأمم السابقة، بل على استيعابها وإدماجها.
-
الجهل بالتاريخ: وهو الأخطر، فالمطالبون بتغيير الاسم يجهلون أن مملكة هرمز نفسها كانت كيانًا عربيًا إسلاميًا، وأن اسمها جزء لا يتجزأ من الذاكرة العربية والإسلامية للسيادة على الخليج. إنهم في محاولتهم “أسلمة” الاسم، يمارسون عملية محو لجزء من التاريخ الإسلامي نفسه، متناسين أن البرتغاليين هم من أنهى حكم هذه المملكة، وليس أي نفوذ فارسي.
الخلاصة: عندما يصبح الحمقى خطرًا على الهوية
الخلاصة هي أن “الحمقى ليسوا جهلة بدينهم فقط بل هم جهلة بتاريخهم أيضًا”. هذه العبارة تحمل دلالة عميقة، فهي تفيد بأن الجهلة بالتاريخ لا يمكنهم حماية حاضرهم، لأنهم محكومون بتكرار الأخطاء ذاتها. فالمشكلة ليست في مجرد اقتراح تغيير اسم، بل في أولويات مشوهة تعكس عقلية لا تستطيع التمييز بين الجوهر والمظهر، بين القضايا المصيرية والتفاصيل الهامشية.
في عصر يتنافس فيه العالم على النفوذ في مضيق هرمز، تظل المعركة الحقيقية هي معركة الوعي. الوعي بالتاريخ الحقيقي الذي يمنحنا شرعية الوجود، والوعي بالجغرافيا السياسية التي تمنحنا القوة، والوعي بالعصر الذي نعيش فيه والذي لا يرحم من يظل أسيرًا لمشاغل لا تزيده إلا ضعفًا على ضعف.
إن مضيق هرمز، الذي كان مفتوحًا للتجارة والحضارة العربية الإسلامية لقرون، يحتاج اليوم إلى رجال يفتحونه بالحكمة والعلم والقوة، لا إلى من يريدون اختزاله في صراع هوية عقيم يعكس هزيمة الفكر قبل هزيمة السياسة.