تناقض السلفيين بين ذبح الهدي وزكاة الفطر

يتكرر الجدل المعروف في إخراج القيمة أو الحبوب كل عام. وفي خضم المواسم الإيمانية التي تنتظرها الأمة بلهفة وشوق، يبرز على السطح جدل فقهي لا يتعلق بالمسائل الخفية أو المتروكة للاجتهاد، بل يعود إلى تناقضٍ هيكلي في طريقة تعامل التيار السلفي مع النصوص الشرعية. هذا التناقض يتجلى بوضوح في فتاوى «كهنة شيوخ السلفية» التي تبيح للحاج دفع قيمة الهدي نقداً في حساب مؤسسة الراجحي بدلاً من شراء ذبيحة وذبحها وتوزيعها، بينما تمنع في الوقت نفسه دفع زكاة الفطر نقداً، وتصر على إخراجها تمراً وشعيراً حرفياً، وكأن النص المقدس يتحول إلى غطاء مرن يحمي مصالح كبرى المؤسسات المالية والدينية في قالبٍ من القداسة.

بين الذبح والمال: كيف نسمع ولا نسمع؟

تناقض السلفيين بين إخراج قيمة الهدي ومنعه في زكاة الفطر
تناقض السلفيين بين إخراج قيمة الهدي ومنعه في زكاة الفطر

قبل الخوض في صلب التناقض، لا بد من التذكير بأن مشروعية الهدي والأضحية في الإسلام أتت لتُعَلِّم المسلمين معنى الفداء والتضحية والعطاء. لقد شرع الله تعالى الهدي، وخاصة هدي التمتع والقران، ليكون ذبحاً حقيقياً وتوزيعاً فعلياً للحم، اقتداءً بخليل الله إبراهيم عليه السلام، وإشعاراً للفقير بأنه شريك في كرامة العيد. فالنص القرآني واضح وصريح: «فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ» (البقرة: 196)، والهدي في اللغة هو ما يُهْدَى إلى الحرم من بهيمة الأنعام، وليس ثمناً يُدفع في حساب بنكي.

وعلى هذا الأساس، وقف كبار فقهاء السلفية أنفسهم. فقد أفتى الشيخ ابن باز رحمه الله في فتوى صريحة له بأن «لا يجوز الاستعاضة عن الهدي بالثمن؛ لأن هذا خلاف شرع الله وخلاف ما أوجب الله؛ بل يجب شراء الهدي وذبحه فيأكل منه ويطعم ويتصدق ويهدي، يذبحه في منى أو في مكة وليس له أن يعتاض عن هذا بالثمن في بلده ولا في غير بلده» المصدر

. واستمر على هذا الرأي كثير من العلماء، مؤكدين أن ذبح الهدي هو روح الشعيرة وغايتها، وأن تحويلها إلى نقود يُفقدها جوهرها الروحي والعبادي.

ولكن! مع كثافة أعداد الحجاج، وتعقيدات الذبح في المواسم، ظهرت الحاجة إلى التوكيل في الذبح. والمسألة في أصلها لا غبار عليها، إذ يجوز شرعاً أن يوكل الحاج من يذبح عنه، والأفضل أن يباشر بنفسه إن أمكن. لكن ما جرى هو انتقال سريع من «التوكيل الموثوق المبني على تسمية الذبيحة وتعيينها»، إلى تسويق «صكوك الأضاحي» التي تدفع نقداً للمؤسسات، دون أن يعرف الحاج متى ستُذبح أضحيته، أو أين، أو حتى لمن ستُوزع.

زكاة الفطر: حيث الحرفية تتحصن لسد الثغرات
في الجانب الآخر من الميدان، نجد فتاوى السلفية في زكاة الفطر أقرب إلى التحجر منها إلى الورع. فالمشهور عنهم، وخاصة عن الشيخ ابن باز، هو أنه «لا ينبغي إخراج النقود، بل يجب إخراج زكاة الفطر من الطعام، هذا هو الواجب»، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أخرجها طعاماً، وكذلك صحابته وعامة أهل العلم. ويذهبون إلى أبعد من ذلك فيصفون قول من يرى جواز إخراج القيمة بأنه «قول ضعيف»، ويطالبون بالتمسك بحرفية النص دون التفاته إلى مقاصده.

وهنا يسقط السؤال بحدة: أين ذهبت تلك الحرفية النصية التي يتباهى بها السلفيون في زكاة الفطر، عندما يتعلق الأمر بالهدي والنقود المحوَّلة إلى مؤسسة الراجحي؟ أليس من الواجب أن نتمسك بحرفية قوله تعالى «فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ»، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم في الأضحية: «ما عمل ابن آدم يوم النحر أحب إلى الله من إراقة دم»؟ النص في الحالتين واضح: الهدي للذبح، والفطر للطعام. فإذا جاز التفلت من حرفية النص في الهدي بحجة التيسير ومصلحة الحاج، فلماذا لا يجوز نفس التفلت ذاته في الفطر بحجة تيسير الحال على الفقير الذي قد يحتاج درهماً أكثر من حاجته لصاع من تمر؟

الجواب الشافي: الحلقة المفرغة
الجواب على هذا التساؤل لا يمكن أن يكون فقهياً خالصاً، بل هو جواب سياسي واقتصادي،  «السبب لأن أموال الهدي تدخل جيوب ولي الأمر ثم ترسل لجيوب حامي ولاة الأمر “ترمب نموذجا” ».

هناك فرق بين مؤسسة تستفيد من صكوك الهدي (فتُباح النقود)، وبين فقير في قرية نائية لا يملك حسابات مصرفية ولا يمثل أي ضغط سياسي (فتُمنع النقود بحجة اتباع السنة).

عندما يدفع الحاج ماله لمؤسسة الراجحي، فإن هذه الأموال لا تتحول إلى ذبائح بالضرورة، بل تصبح سيولة مالية ضخمة تُستثمر وتُدَار، وتذهب أرباحها إلى جيوب كبار المستثمرين والمؤسسات المالية، وصولاً إلى جيوب نخبة دينية تخدم هذا النظام. أما عندما يخرج الفقير تمرة أو شعيرة، فلا أرباح لأحد، ولا تتحرك أموال في البنوك، ولا تُبنى مشاريع استثمارية باسم الأضاحي. باختصار، منع النقود في زكاة الفطر يحمي النص، وإباحتها في الهدي يحمي الجيوب الكبيرة.

بين مقاصد النص وحقيقة الممارسة
ليس المطلوب هو تفجير فتاوى السلفية أو نفي الاجتهاد، فكل مجتهد يؤجر. ولكن المطلوب هو فضح المعايير المزدوجة التي تتعامل مع دين الله بحسب المصلحة المباشرة لجهات بعينها. إن الأمة اليوم بحاجة إلى فقه واضح يوازن بين حرفية النص ومقاصده، لا إلى فتاوى تستخدم النص كغطاء لخدمة الشركات الكبرى، ثم تلوذ بالحرفية الصارمة عندما يتعلق الأمر بزكاة بسيطة تذهب لفقير لا يستطيع الدفاع عن نفسه.

القرآن والسنة ليسا مطيةً لتمرير المصالح، ولا أداةً لتبرير ازدواجية المعايير. فإما أن نلتزم بحرفية النص في كل الأحكام، فنمنع دفع النقود في الهدي كما نمنعها في الفطر، وإما أن ننفتح على مقاصد الشريعة ونتعامل مع الواقع بتوازن. أما البقاء في هذه المنطقة الرمادية، حيث تُحرم النقود لزكاة الفقراء وتُباح للمؤسسات المالية، فهو دليل على أن «حرفية النص» لم تكن يوماً أكثر من شعار يُرفع عند الحاجة، ويُسقط عند اشتداد الحاجة إلى المال.

اترك تعليقاً