زلزال في البنتاغون
في تطور هزّ أركان المؤسسة العسكرية الأمريكية، أقدم وزير الدفاع بيت هيغسيث على إقالة أكثر من اثني عشر جنرالًا وأميرالًا في حملة تطهير غير مسبوقة بلغت ذروتها بإطاحة رئيس أركان الجيش الأمريكي الجنرال راندي جورج. هذه الخطوة، التي تأتي في خضم حرب أمريكية إسرائيلية ضد إيران، أثارت تساؤلات واسعة حول دوافعها وتداعياتها، وفتحت بابًا واسعًا للنقاش حول تسييس الجيش الأمريكي ومدى قانونية إقالة قائد أعلى في زمن الحرب.

تفاصيل الإقالة.. من هو راندي جورج؟
في خطوة مفاجئة، أعلن المتحدث باسم البنتاغون شون بارنيل، الخميس 2 أبريل 2026، إحالة الجنرال راندي جورج إلى التقاعد الفوري من منصبه كرئيس لأركان الجيش الأمريكي (القوات البرية). جورج، ضابط مشاة مخضرم خدم في حرب الخليج الأولى والعراق وأفغانستان، كان قد تولى المنصب في عام 2023 بعد ترشيح من الرئيس السابق جو بايدن، وكان من المفترض أن تستمر ولايته لمدة أربع سنوات. لم تقدم الوزارة أي تفسير فوري لهذا القرار، مكتفية بالقول: “نحن ممتنون لخدمته، لكن الوقت حان لتغيير القيادة في الجيش”.
حملة تطهير شاملة.. أكثر من 12 جنرالًا في قائمة الإقالات
لم تكن إقالة جورج حدثًا منعزلاً، بل جاءت تتويجًا لسلسلة من الإقالات التي قادها هيغسيث منذ توليه منصبه. فوفقًا لمسؤولين في البنتاغون، قام الوزير بإقالة أو تهميش ما لا يقل عن اثني عشر جنرالًا وأميرالًا رفيعي المستوى. وفي أحدث حلقة من هذه الحملة، لم يكتفِ هيغسيث بإقالة جورج، بل طال القرار أيضًا الجنرال ديفيد هودن، قائد قيادة التحول والتدريب بالجيش، واللواء ويليام غرين جونيور، قائد فيلق الكهنة العسكريين. ويأتي هذا التطهير الواسع ضمن مساعي هيغسيث لإعادة هيكلة وزارة الدفاع وتنفيذ رؤية الرئيس دونالد ترامب للأمن القومي.
توقيت مثير للجدل.. في قلب الحرب مع إيران
تكمن خطورة هذه الإقالات في توقيتها، إذ تأتي في خضم حرب أمريكية إسرائيلية ضد إيران، والتي دخلت أسبوعها الخامس. فالقوات البرية الأمريكية هي أكبر فروع القوات المسلحة، وتضم حوالي 450 ألف جندي في الخدمة الفعلية. وقد بدأت بالفعل وحدات نخبة، مثل فرقة الإنزال المظلي 82، بالوصول إلى الشرق الأوسط، مما يشير إلى احتمالية المشاركة في عمليات برية ضد إيران. ويُعتبر إقالة جنرال خلال فترة الحرب خطوة غير مسبوقة في العقود الأخيرة، مما أثار دهشة المراقبين والمحللين العسكريين.
دوافع غير معلنة.. بين الصراع الشخصي والتسييس
مع غياب أي تفسير رسمي من البنتاغون، برزت عدة فرضيات لتفسير هذه الإقالات المفاجئة:
-
الصراع الشخصي: يشير البعض إلى أن هيغسيث يكن ضغينة شخصية تجاه الجيش، الذي قال عنه في كتابه الصادر عام 2024 إنه “بصق عليّ”. وقد يكون هذا الدافع وراء حملته ضد قادته.
-
الخلاف حول الترقيات: كشفت تقارير صحفية أن خلافًا حادًا نشب بين هيغسيث وجورج حول قرار الوزير منع ترقية أربعة ضباط (اثنان منهم من السود واثنتان من النساء) إلى رتبة لواء. وقد عارض جورج هذا القرار بشدة، مما أدى إلى توتر العلاقة بين الرجلين.
-
اختبار الولاء: يسعى هيغسيث، وفقًا لمصادر مطلعة، إلى تعيين شخصيات تلتزم بالكامل برؤيته لطريقة إدارة القوات البرية وتنفيذ أجندة ترامب.
خليفة مخلص.. كريستوفر لانيف يتولى المهمة
لم تخلُ الإقالات من تعيينات موالية، حيث تم تكليف الفريق كريستوفر لانيف، نائب رئيس أركان الجيش حاليًا والمساعد العسكري السابق لهيغسيث، بتولي منصب رئيس الأركان بالإنابة. وقد وصفه المتحدث باسم البنتاغون بأنه “قائد اختبرته المعارك ويمتلك عقودًا من الخبرة التشغيلية، وهو موثوق به تمامًا من قبل الوزير هيغسيث لتنفيذ رؤية هذه الإدارة دون أدنى خطأ”. هذه الخطوة تؤكد سعي هيغسيث لوضع عناصر موالية له في المناصب الحساسة.
ردود فعل متباينة.. بين القلق السياسي والترحيب التحفظي
-
المعارضون: عبر الديمقراطيون عن قلقهم العميق من احتمالية إدخال المؤسسة العسكرية الأمريكية، المعروفة تقليديًا بحيادها السياسي، في تجاذبات حزبية خطيرة. ويرون في هذه الإقالات “تطهيرًا” على أسس سياسية يهدد استقرار الجيش.
-
المؤيدون: يرى مؤيدو ترامب وهيغسيث أن هذه الإجراءات تهدف إلى “تجفيف المستنقع” وتخليص الجيش من القيادات التي تعود إلى عصر بايدن، وضمان ولاء القادة للرئيس المنتخب.
تحليل استراتيجي.. هل تنجح حملة التطهير؟
تواجه حملة هيغسيث تحديين رئيسيين:
-
الشرعية الدستورية: يُعتبر إقالة جنرال في زمن الحرب إجراءً خطيرًا يمس مبدأ الفصل بين السلطات والسيطرة المدنية على الجيش. فالقانون العسكري الأمريكي يضع قيودًا صارمة على إقالة القادة في أوقات النزاع.
-
التماسك العسكري: قد تؤدي هذه الإقالات إلى إضعاف التماسك الداخلي للجيش وإثارة حالة من الريبة والخوف بين صفوف القادة، مما يؤثر سلبًا على الجاهزية القتالية في وقت حساس.
الخلاصة
تمثل إقالات بيت هيغسيث للجنرالات، وعلى رأسهم راندي جورج، تحولًا نوعيًا في العلاقة بين السلطة السياسية والمؤسسة العسكرية الأمريكية. فبينما تدور رحى حرب مع إيران، يشهد البنتاغون حملة تطهير غير مسبوقة تثير تساؤلات حول مستقبل القوات المسلحة الأمريكية واستقرارها. وفي غياب تفسيرات رسمية واضحة، تبقى الأيام القادمة كفيلة بكشف النقاب عن الدوافع الحقيقية لهذه الخطوة وتداعياتها على الأمن القومي الأمريكي.